محمد بن جعفر الكتاني
15
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
كان - رحمه اللّه - في ابتداء أمره أستاذا يحفظ السبع ، ثم إنه حصل له جذب أخذه عن حسه ، وأفناه عن شهود نفسه ؛ فكان يسيح في الأزقة والأسواق ، وأكثر مكثه بالصاغة والجوطية من عدوة فاس القرويين ، وكان الناس يتبركون به ، ويتحدثون عنه بكرامات ، وإخبار بمغيبات . [ من أخبار حرب إيسلي ] : منها : ما يذكر من أن السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن العلوي - قدس اللّه روحه - لما خرج لوجدة عام ستين [ 10 ] لقتال الفرنسيس - دمره اللّه - وكان إذ ذاك خليفة والده مولاي عبد الرحمن ؛ جاء إليه صاحب الترجمة وهو بباب الفتوح ، وأخذ يرد به فرسه ، ويقول له : « اذهب أنت لتطوان ، وأما غيرها ؛ فليس لك فيه دخل ! » . يشير له بذلك إلى أن ذلك القتال الذي خرج إليه لا يجيء منه شيء للمسلمين ، وإلى أنه يتولى بعد ذلك الملك استقلالا ، ويقاتل الروم بتطوان ، فكان الأمر كذلك . توفي - رحمه اللّه - في السابع والعشرين من جمادى الأولى عام خمسة وسبعين ومائتين وألف ، ودفن بهذا الخارج ، بروضة المحتسب الحاج المهدي بناني ، بأقصاها عن يمين الداخل إزاء الحائط . [ 855 - المجذوب سيدي بابا إدريس الزعري ] ( ت : 1291 ) ومنهم : الولي الصالح ، المجذوب المهيم السائح ، ذو الكرامات ، والمناقب والآيات ؛ أبو العلاء سيدي إدريس ؛ المدعو : بابا إدريس الزعري . كان - رحمه اللّه - في أول أمره يخدم رحويا ، ثم أخذ عن سيدي الحاج أحمد الغماري ، وصار يخدم الاسم المفرد ؛ فحصل له ما حصل من الجذب وإلقاء الثياب ، وصار يلبس جلابية صوف بونداف ، ويسيح في الأزقة والطرقات ، ويأوي إلى بعض أزقة فاس ؛ فيجلس بها ، وينتقل من مكان إلى مكان . . . حتى استقر آخر أمره بباب البراطليين من حرم مولانا إدريس ، قبالة زنقة ابن ولآل ، وبقي هناك إلى الوفاة ، بعد أن أقعد في آخر عمره . وكانت تصدر منه أفعال ينكر الشرع ظاهرها ؛ من شرب الدخان وأكل الحشيشة . . . ونحو ذلك ، وربما تعرض لبعض النساء في الطرقات . ومع ذلك فالعامة مطبقون على التبرك به ، ويتحدثون عنه بما لا يحصى من الكشوفات والكرامات . منها : ما أخبرني به بعض العلماء من أشياخنا أن العلامة سيدي المهدي ابن الحاج عين مرة لقضاء طنجة ، وكان مهتما بذلك جدا ؛ فمر على صاحب الترجمة ، فناداه ، فأتى إليه ، فقال له : « ائتني بخبزة ! » . فأتاه بها ، فأخذها منه وقال له : « إنك لا تذهب لطنجة ! » . فكان الأمر كذلك ، ولم يذهب إليها .